✍️✍️الكاتب ديميتري بريجع ـ باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية
المصدر:مركز الدراسات العربية الأوراسية
حين تختار روسيا ان تجعل المملكة العربية السعودية ضيف الشرف في اهم منصة اقتصادية تطل بها على العالم، فان الرسالة تتجاوز قاعة المنتدى الى عمق التحولات الجارية في النظام الدولي. ففي منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026، المنعقد بين الثالث والسادس من يونيو، لم يكن الحضور السعودي حدثا بروتوكوليا عابرا، بل اعلانا صريحا عن مرحلة جديدة في علاقة ظلت لعقود محكومة بسقف واحد هو النفط. وجاء توقيع ثلاثين اتفاقية تعاون بين البلدين على هامش المنتدى ليضع هذا التحول على الطاولة بلغة الارقام والقطاعات، ويفرض سؤالا لا مهرب منه: هل نشهد ولادة شراكة متعددة الابعاد، ام مجرد كومة وثائق تنتظر من يحولها الى واقع؟
مئة عام من العلاقة: الرمز قبل الرقم
اللافت ان هذا التقارب لم يأت في فراغ زمني، بل تزامن مع مرور قرن كامل على العلاقات الدبلوماسية بين موسكو والرياض. وليست هذه مصادفة في التوقيت بقدر ما هي قراءة واعية لقيمة الرمز. فالعلاقة بين البلدين من اقدم ما يربط روسيا بدولة خليجية، وقد قطعت مئة عام حافلة بالقرب حينا والفتور والقطيعة حينا اخر، قبل ان تعود وتستأنف على وقع متغيرات الاقليم والعالم. ان توظيف هذه الذكرى لتكثيف التعاون يكشف نية الطرفين في تثبيت الشراكة الراهنة على ارضية تاريخية صلبة، بحيث تبدو امتدادا لمسار طويل لا استجابة لحظية لازمة عابرة. فالرمز هنا ليس زينة خطابية، بل غطاء سياسي يمنح الخطوات الاقتصادية شرعية العمق والاستمرار.
ثلاثون وثيقة... وسؤال الشفافية
قاد الوفد السعودي وزير الطاقة الامير عبد العزيز بن سلمان، واعلن عن توقيع ثلاثين اتفاقية تعاون مع الجانب الروسي. ولم يكن الوفد رمزيا، بل ضم ممثلين عن مؤسسات وشركات كبرى في مقدمتها ارامكو، الى جانب قطاعات الصناعة والاستثمار والنقل والطاقة، في تشكيلة تختصر بذاتها اتساع الملفات المطروحة. وبحسب المعلن، توزعت الاتفاقيات على الطاقة والتعليم والسياحة والصناعة والتعاون بين القطاع الخاص في البلدين.
لكن القراءة الرصينة تستوجب وقفة صريحة: لم تصدر حتى الان قائمة رسمية مفصلة بكل اسماء الاتفاقيات الثلاثين. ولهذا يظل التقييم محصورا في العدد والقطاعات المعلنة، دون امكان فحص مضمون كل وثيقة على حدة. وهذه ليست ملاحظة شكلية، فالمسافة شاسعة بين اتفاق تنفيذي ملزم ومذكرة تفاهم استكشافية لا تتعدى اعلان النوايا. واذا اضفنا ان وكالة ريا نوفوستي كانت قد تحدثت عن نحو تسعين تفاهما او اتفاقا وقعت قبل اشهر في الرياض خلال زيارة وفد روسي، الى جانب ما ابرم في منتدى الرياض السابق من اتفاق للاعفاء المتبادل من التأشيرات ومذكرة حول تغير المناخ والتنمية منخفضة الكربون ومذكرة في مجال الارشيف، تبين ان الكم الكبير من الوثائق يصنع زخما حقيقيا، لكنه في الوقت نفسه يرفع منسوب السؤال عن معدل تحويل الورق الى مشاريع.
النفط يبقى... لكنه لم يعد كل شيء
يظل ملف الطاقة قلب العلاقة النابض، وهو ما يفسر ان يتولى وزير الطاقة قيادة الوفد وان تحضر ارامكو في الصف الاول. فالتنسيق بين الرياض وموسكو كان ولا يزال العمود الذي يستند اليه تحالف اوبك بلس وادارة اسواق النفط العالمية. وتزداد اللقاءات الراهنة وزنا لانها انعقدت وسط اضطراب عالمي في اسواق النفط والطاقة، حيث تجعل تقلبات الاسعار التنسيق بين منتجين كبيرين قادرين على تحريك التوازن بين العرض والطلب ضرورة لا ترفا.
غير ان المشهد يحمل تحولا اعمق من مجرد ادارة الاسعار. فمفهوم الطاقة ذاته يجري توسيعه ليتجاوز النفط الخام نحو التقنيات والطاقة الجديدة. وبهذا تنتقل الطاقة من سلعة يتفاوض الطرفان حول سعرها الى ميدان شراكة صناعية وتقنية، وهو انتقال يغير من جوهر العلاقة لا من حجمها وحده.
خارج خريطة النفط: تعليم وسياحة وصناعة ونقل واستثمار
هنا يكمن الجديد الفعلي. فالعلاقة لم تعد اسيرة برميل النفط، بل تمددت نحو التعليم والسياحة والصناعة والنقل والاستثمار، ولكل من هذه الابواب منطقه في صناعة شراكة لا تنهار بتغير الاسعار.
الاتفاقيات التعليمية، رغم هدوئها مقارنة بصخب الطاقة، قد تبني جسرا طويل الامد بين النخب والجامعات ومراكز البحث، وهو استثمار بطيء العائد لكنه عميق الاثر، اذ ينسج علاقة معرفية وبشرية تعمر اطول من الحكومات. اما السياحة والنقل فمعناهما مختلف تماما، اذ ينقلان العلاقة من غرف الوزارات الى الشوارع والمطارات والاسواق. فحين يتنقل السياح ورجال الاعمال، وتنشأ خطوط ربط بين البلدين، تتكون قاعدة شعبية واقتصادية يصعب على اي قرار سياسي مفاجئ ان يلغيها بجرة قلم. وتبقى الصناعة والاستثمار جوهر الاختبار، فهما المعيار الحقيقي لتحول التقارب السياسي الى مصالح متجذرة.
التأشيرة والمناخ مفتاحان لقراءة المستقبل
من بين كل الوثائق، يستحق ملفان قراءة خاصة. الاول اتفاق الاعفاء المتبادل من التأشيرات، وهو ليس اجراء اداريا عابرا بل بوابة عملية لتوسيع السياحة والاعمال والاستثمار والتواصل المباشر بين الشركات. فاسقاط حاجز التأشيرة يعني ثقة سياسية ورغبة في فتح المجال امام تدفق الافراد ورؤوس الاموال، وهو ما يشكل البنية التحتية الناعمة لاي شراكة تطمح الى الاستمرار.
والثاني مذكرة التعاون في المناخ والتنمية منخفضة الكربون، وهي تمنح العلاقة بعدا يتجاوز النفط التقليدي. فالبلدان، وهما من كبار منتجي الطاقة الاحفورية، يحجزان عبر هذا الباب موقعا في عالم يتجه نحو خفض الكربون، ويفتحان لانفسهما نافذة على الطاقة الجديدة والتقنيات الخضراء. وهذا توجه استراتيجي بامتياز، لانه يحصن العلاقة ضد خطر التعلق الكامل بمستقبل سلعة واحدة قد يتراجع وزنها مع الزمن.
لماذا موسكو؟ ولماذا الرياض؟
لكل طرف حساباته. موسكو ترى في السعودية شريكا ثمينا ضمن اندفاعها نحو الجنوب العالمي واعادة توجيه اقتصادها بعيدا عن الغرب. فروسيا الرازحة تحت العقوبات تبحث عن شركاء يجمعون بين رأس المال والنفوذ الاقليمي والقدرة على الاستثمار، والسعودية تملك هذه المقومات مجتمعة، فضلا عن ثقلها في سوق الطاقة الذي يجعل التنسيق معها حاجة لا خيارا.
اما الرياض فترى في موسكو ورقة مفيدة ضمن استراتيجية تنويع الشراكات ورفض الارتهان لمحور واحد.
فالسعودية تنتهج منذ سنوات سياسة توسيع خياراتها وصون استقلالية قرارها عبر علاقات متوازنة مع قوى متعددة. والانفتاح على روسيا لا يعني هنا قطيعة مع واشنطن ولا ابتعادا عن بكين، بل هو حلقة في معادلة تستهدف توسيع هامش المناورة وتقوية الموقف التفاوضي امام الجميع. وباختصار، كل طرف يستخدم الاخر لتعظيم وزنه في عالم متعدد الاقطاب.
ما الذي قد يعرقل المسار؟
لكن الطريق ليس معبدا. اول العقبات العقوبات الغربية على روسيا، التي تعقد التحويلات المالية والمصرفية وتفرض على المؤسسات السعودية حذرا بالغا تفاديا لعقوبات ثانوية. وثانيها حساسية علاقة الرياض بواشنطن، الشريك الامني والاقتصادي الذي يفرض على السعودية توازنا دقيقا بين انفتاحها على موسكو والتزاماتها الراسخة تجاه الجانب الاميركي.
ثم تأتي تقلبات سوق النفط ذاته، فهي سلاح ذو حدين قد ينقلب من عامل وحدة الى مصدر توتر اذا تعارضت مصالح البلدين حول الانتاج والاسعار. وتبقى مع ذلك المعضلة الكبرى في الفجوة بين التوقيع والتنفيذ، فالعلاقات الدولية مليئة بوثائق ولدت تحت الاضواء ثم نامت في الادراج. وتزيد محدودية الشفافية حول تفاصيل الاتفاقيات الثلاثين من صعوبة الحكم الموضوعي على جدية المسار وقابليته للتطبيق.
الاستنتاجات
لم يكن منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 منصة لتبادل المجاملات، بل لحظة فارقة اعلنت انتقال العلاقة الروسية السعودية من ادارة سوق النفط الى محاولة بناء شبكة مصالح اوسع تشمل التعليم والسياحة والصناعة والنقل والاستثمار والطاقة في معناها الشامل. غير ان هذا الانتقال ما زال في طور التأسيس، ولن يقاس نجاحه بعدد الاتفاقيات ولا بحرارة الاحتفال، بل بقدرة الطرفين على ترجمة الوثائق الى مشاريع قائمة وارقام يلمسها الناس. فالعبرة ليست بما وقع على الورق، بل بما سيتحقق على الارض.
