منال صادق تكتب: "وهم الطب النبوي".. هل كان رسول الله ﷺ طبيبًا أم حامل رسالة؟
قبل أن نبدأ، دعونا نسأل سؤالًا منطقيًا وبسيطًا:
إذا كانت الحبة السوداء كما يردد البعض "شفاءً من كل داء"، فلماذا إذن لا تُستخدم لعلاج السرطان؟ ولماذا لا تُغني عن العمليات الجراحية الدقيقة؟ ولماذا لا تُستعمل بدل العلاج الكيماوي أو زراعة الأعضاء أو أدوية القلب والضغط؟ ولماذا ما زالت المستشفيات ممتلئة بالمرضى، وما زالت العلوم الطبية تتطور يومًا بعد يوم؟
فإذا كانت هناك وصفة واحدة تكفي لعلاج كل الأمراض، فلماذا لم تنتهِ معاناة البشرية منذ قرون؟ ولماذا لم تختفِ الأوبئة والأمراض المزمنة والمعقدة؟ ولماذا لا نرى دليلًا علميًا واضحًا يثبت أنها علاج نهائي لكل الحالات؟
إنها أسئلة بسيطة، لكنها كافية لكشف حجم التناقض الذي يقع فيه كثيرون حين يصدقون هذه الادعاءات دون تفكير أو دليل.
وللإجاية على كل هذه الأسئلة سأبدأ مقالي اليوم بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد في روايات متعددة، أنه مرَّ بقوم يلقحون النخل فقال:
"لو لم تفعلوا لصلح"، فتركوه، فخرج الثمر رديئًا، فمرَّ بهم مرة أخرى فقال: "ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا.. فقال صلى الله عليه وسلم:
"أنتم أعلم بأمور دنياكم".
وهذا الحديث يحمل دلالة واضحة ومهمة، تؤكد أن هناك فرقًا بين ما يتعلق بأمور الدين والعقيدة، وبين ما يرتبط بشؤون الحياة اليومية من خبرات وتجارب بشرية، مثل الزراعة والطب وغيرها. وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة أنه بشر يوحى إليه، وليس مختصًا بعلوم الدنيا كالطب والعلاج.
فمجتمع النبوة قبل وبعد ظهور الإسلام كان مجتمعًا بسيطًا وفق الإمكانيات المتاحة في ذلك العصر. فقد كانت شبه الجزيرة العربية تعيش حياة بدائية مقارنة بما نعيشه اليوم؛ لم تكن دولة موحدة، بل كانت قبائل متفرقة، وكان الاقتصاد قائمًا على التجارة ورعي الإبل والماعز، وكانت وسائل السفر طويلة وشاقة على ظهور الجمال، والتي كانوا يطلقون عليها "سفينة الصحراء". كما كانت بيوتهم من الخيام والجلود، وكانت ظروف الحياة الصحية والبيئية محدودة للغاية.
ومن الطبيعي أن تكون وسائل العلاج في ذلك الوقت بسيطة أيضًا، تعتمد على ما هو متاح مثل الحجامة وبعض الأعشاب والتمر وغيرها. وهذه الوسائل كانت جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع وظروفه، وليست دليلًا على أنها تصلح لكل زمان ومكان، خاصة في عصرنا الحالي الذي شهد تطورًا هائلًا في العلوم والطب والتكنولوجيا.
وهنا يظهر سؤال مهم:
هل من المنطقي أن نعود اليوم لأساليب علاج قديمة، ونتعامل معها وكأنها بديل للطب الحديث، رغم وجود الأشعة المقطعية، والتحاليل الدقيقة، والجراحات المتقدمة، وزراعة الأعضاء، والليزر، والتقنيات الطبية التي أنقذت ملايين البشر؟
المشكلة الحقيقية ليست في احترام التراث أو معرفة ما كان موجودًا في الماضي، بل في استغلال بعض الأشخاص لهذه المفاهيم لتقديم وصفات غير علمية على أنها "علاج مضمون"، وبيعها للناس تحت اسم الدين أو تحت شعار "الطب النبوي"، مما قد يعرض حياة المرضى للخطر، خاصة عندما يتم إقناع البعض بترك العلاج الطبي الصحيح.
ومن المؤسف أن البعض يظن أن كل مرض يمكن علاجه بطرق غير علمية، أو بماء مقروء عليه، أو بوصفات شعبية تقدم على أنها بديل للأطباء. وهنا يجب أن نفرق بين الإيمان والدعاء والروحانيات، وبين الطب كعلم قائم على التجربة والدراسة والتخصص.
فالقرآن الكريم كتاب هداية ورحمة وتشريع، وهو أعظم ما نزل على البشرية، لكنه لم يُنزل ككتاب طب تجريبي يحدد طرق علاج الأمراض العضوية والنفسية. نعم، الدعاء والقرآن يمنحان الإنسان طمأنينة وقوة نفسية، لكن تحويل الدين إلى تجارة علاجية واستغلال آلام الناس ليس من الدين في شيء.
ولا يمكن لعقل واعٍ أن يقبل أن يترك مريضًا يحتاج إلى تدخل طبي عاجل أو عملية دقيقة، ويذهب به إلى من يصف له علاجًا غير مثبت علميًا، أو يقدمه باعتباره الحل النهائي لكل الأمراض. فالطب الحديث ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية، مبنية على سنوات من البحث والتجربة والتطوير.
إن الدين عقيدة وهداية وأخلاق، أما الطب فهو علم يتطور مع الزمن. وكلما تقدم الزمن، تقدمت خبرات البشر وعلومهم، وهذا أمر طبيعي، بل هو من سنن الحياة.
لذلك يجب أن نكون أكثر وعيًا، وأن نحذر من تحويل الدين إلى وسيلة للربح على حساب صحة الناس، وأن ندرك أن احترام الدين لا يعني رفض العلم، بل إن العلم والطب من أعظم نعم الله على الإنسان.
فلنترك الأوهام، ولنحذر من أي استغلال لاسم الدين في ترويج علاجات غير مؤكدة، ولنتذكر دائمًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أنتم أعلم بأمور دنياكم".
---
إعادة نشر لمقال تم نشره بتاريخ ٢٤ نوفمبر 2014 مع إضافة لمسات جديدة
منال صادق
