المقدمة: مشهد الحرب الهجينة وضرورة الرد المركب
يوسف حسن يكتب -
إن ما شرع فيه العدو هو بدء شكل جديد من الحرب ضد إيران، يعتمد على دمج خيارات قتالية متعددة، لا يشكل الخيار العسكري فيها سوى جزء واحد. في المقابل، يتعين على إيران أن تقدم رداً مركباً على هذه الحرب الهجينة. فالرد البسيط على حرب هجينة غير ممكن، لأن السيطرة على بُعد واحد من أبعاد الحرب قد تعني الخسارة في الأبعاد الأخرى. لذلك، ولأجل فهم أسلوب القتال، وتعريف الهزيمة والنصر، وأهداف العدو، فإن أهم إجراء هو أن تخوض إيران قتالاً مركباً ضد عدوها.
المحوران الرئيسيان للحرب الجديدة: هدفان استراتيجيان
وفقاً لاعتقاد إيران، فإن ما سيبدأ خلال هذه الساعات والأيام القادمة سيتركّز على محورين اثنين:
1. استهداف صمود الشعب الإيراني – يسعى العدو إلى إرهاق قدرة الشعب على التحمل الاجتماعي. إن أكبر رأس مال لإيران في هذه الحرب هو التلاحم الاجتماعي والدعم الشعبي للنظام، وهو العامل الأساسي في هزيمة العدو في الماضي. هذه المرة، حتى الضربة العسكرية الجديدة للعدو صُممت لتكون في خدمة إضعاف هذا الصمود الاجتماعي.
2. استهداف حسابات المسؤولين في إيران – يقر العدو بأنه، خلافاً لاعتقاده السابق، فإن البلاد لها سيد، وأن فريق القرار الحالي في إيران يعمل بانسيابية كاملة ضمن هيكلية منظمة من مستويات صنع السياسة والقيادة. هذا الفريق ليس فقط ليس من أهل المساومة، بل إنه يفكر بأشكال جديدة ومتجددة من المقاومة. يهدف العدو إلى تعطيل حسابات هذا الفريق.
من وجهة نظر العدو، إذا تحقق هذان الهدفان معاً، فسيتم دفع إيران نحو نموذج الاستسلام الذي ينشده. بناءً على ذلك، يجب أن يركز الرد الإيراني على محورين: تعزيز العوامل التي تزيد من صمود المجتمع، وتثبيت وتقوية حسابات المقاومة في أذهان المسؤولين.
خيار الهجوم العسكري: المؤشرات وتحليل الوضع
ترى إيران أن احتمال الهجوم العسكري مرتفع. هناك مجموعة من القرائن والعلامات الواضحة (التي لا داعي لإخفائها) تشير إلى تصاعد مستوى التهديد. العدو بصدد تقييم كيفية بدء الخيار العسكري. تم إحضار حجم كبير من القوات والمعدات الهجومية والدفاعية إلى المنطقة. إيران ترى هذه القوات وتعرّفها، وهي مستعدة لتوجيه الضربات وإلحاق خسائر فادحة بالعدو. إيران هي الأمة الوحيدة التي خاضت، في فترة زمنية قصيرة، حربين متزامنتين مع أمريكا والكيان الصهيوني، وهذه الخبرة العملية الفريدة محل اهتمام العديد من القوى الكبرى في العالم.
حجم كبير من الطلعات الاستطلاعية والقتالية (للطائرات والمسيّرات) وباستمرارية عالية، يجري في أجواء العراق والحدود الغربية للبلاد والخليج العربي ومضيق هرمز. كما تم نشر ما لا يقل عن مجموعتين بحريتين تابعتين لحاملتي طائرات (وإن كانتا على مسافة بعيدة من سواحل إيران) في المنطقة. مجموع هذه المؤشرات يدل على وجود وضع أشبه بـ "الحالة الحرجة" (القريبة من الاشتباك) من حيث القدرة العسكرية ونشر القوات.
يأس العدو من مسار المفاوضات والضغط الصيني
على الصعيد التفاوضي أيضاً، لم يصل العدو إلى نتيجة. الرد الإيراني المكون من أربعة عشر بنداً على المقترح الأمريكي قوبل بالرفض الفوري من قبل ترامب. كان هذا الرد قوياً لدرجة جعلت الأمريكيين يدركون أن إيران لا تنوي التراجع عن مواقفها. كذلك، فشلت المحاولة الأمريكية للاستفادة من الصين في تضييق الخناق على إيران (بمشاركة بعض الدول العربية). رفضت الصين المقترح الأمريكي بشأن إيران. لم تحقق زيارة ترامب للصين أي إنجاز استراتيجي جوهري لأمريكا، ولأول مرة، قام مسؤول صيني رسمي، بحضور الرئيس الأمريكي، بتهديده باشتباك عسكري، ولم يرد الأمريكيون.
سبب الموقف الصيني الحازم تجاه أمريكا
من وجهة نظر إيران، فإن أحد أهم أسباب الموقف الصيني المتميز هو حرب أمريكا ضد إيران. لاحظت الصين مدى ضعف الجيش الأمريكي مقارنة بما يدعيه. إيران هي من فضحت القوة الحقيقية لأمريكا لصالح روسيا والصين وسائر معارضي أمريكا في العالم. لو لم يحدث الهزيمة العسكرية الأمريكية أمام إيران في حرب الأربعين يوماً، لما كانت الصين قادرة على اتخاذ مثل هذا الموقف. أحد جذور التفوق الاستراتيجي للصين في زيارة ترامب الأخيرة هو هذا الكشف الإيراني للضعف العسكري الأمريكي.
الوضع الحالي للعدو: طريق مسدود واحتمال الإجراء اليائس
في الظروف الراهنة، لم يبق أمام ترامب سوى طريقين: إما أن يستسلم لإيران ويقبل بهزيمته ويمنحها الامتيازات التي تطلبها، أو أن يتحرك بيأس وغباء نحو اشتباك عسكري جديد ويزيد من حدة المأزق. لكن المهم أن أي ضربة عسكرية محتملة جديدة، ستستهدف الهدفين المذكورين (صمود الشعب وحسابات المسؤولين).
الأبعاد المعرفية والذهنية للحرب الجديدة
الحرب القادمة، قبل أن تحدث في البيئة المادية، ستتشكل في العقول. عقل الشعب الإيراني وعقل المسؤولين هما الهدف المباشر للعدو. البعد المعرفي والذهني لهذا الجولة الجديدة من الصراع، يُعتبر أكثر أهمية من بعدها المادي. حتى لو تم تنفيذ عمليات فيزيائية (اغتيال، ضرب بنى تحتية، عمل على الحدود أو في العمق أو في الجزر)، فإن هدفها الأساسي هو التأثير على عقل الشعب والمسؤولين في إيران. لذلك، فإن العامل الأهم الذي سيحدد النصر أو الهزيمة في هذه الحرب (والذي ترى إيران أن النصر فيها حتمي) هو درجة الصمود الروحي والذهني لإيران (بتعبير الشهيد المغنية).
الإجراء المتقابل الإيراني: استهداف عقل العدو
في حال الدخول إلى هذه المرحلة الجديدة (سواء بضربة عسكرية أم بدونها)، فإن إيران ستستهدف عقل العدو أيضاً. السؤال الأساسي لإيران هو: كيف تفكر حلقة القرار الرئيسية وراء كواليس الحرب ضد إيران (حلقة يهود نيويورك الذين يغذون ترامب ويديرون نتنياهو)؟ وما هو التأثير الذي يجب أن تحدثه إيران على عقولهم؟ الهدف الإيراني هو إفهام هذه الحلقة بأن تكلفة الحرب مع إيران تفوق بكثير تصوراتهم، وأنه لا يمكن تكرار جولات الصراع سنوياً.
ضرورة خلق الردع والتماسك الذهني
في حرب الاثني عشر يوماً والأربعين يوماً، كان هدف إيران هو خلق حالة ردع وحسابات جديدة في أذهان أرباب الحرب (يهود نيويورك)، لكن هذه المهمة صعبة وتتطلب جهاداً كبيراً وتكاليف عالية. مع ذلك، فإن إيران قد اقتربت من هذه المرحلة. إذا حدثت جولة جديدة من الاشتباك، فستحصل إيران على فرصة فريدة للتغلغل في عقل العدو وخلق معادلات وحسابات جديدة، بحيث لا يتمكن العدو ببساطة من بدء جولات لاحقة من الصراع. العدو سيستهدف عقل إيران، وإيران بالمثل ستستهدف عقل العدو. كل التحركات العملية المستقبلية يجب أن تضبط للوصول إلى هذا الهدف. لذلك، فإن التماسك الذهني هو في غاية الحيوية. وعلى إيران بالمقابل أن تستثمر ذهنياً وأن تعزز نقاط الضعف الموجودة في هذا المجال (خاصة من الناحية الروحية).
